اسماعيل بن محمد القونوي

217

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

التمكن من الهدى فأوقع على الهدى لملابسة « 1 » بينهما فالتجوز في الإيقاع لا في الهدى مثل جرى النهر المجاز إما في النهر أي المراد به الماء فلا مجاز في الإسناد أو في الإسناد بأن يراد بالنهر معناه الحقيقي والإسناد إليه مع أن الجريان حقه أن يسند إلى الماء مجاز عقلي فكذا هنا إلا أنه هنا مجاز « 2 » في الإيقاع بواسطة الجار وهناك مجاز في الإسناد وهذا مع وضوحه قيل عليه إن أول كلامه يشعر بأن الإسناد مجازي وآخره بأن التجوز لغوي وكلاهما غير ظاهر انتهى وهنا احتمال آخر وهو كون المجاز في الحذف أي اشتروا الضلالة بتمكن الهدى وقد نبه عليه الشيخان في بعض المواضع وسكتا عنه ههنا وقوله إنه إذا أريد ما جبلوا عليه فلا مجاز يعني أن إطلاق الهداية على ما في الجبلة لا الخارج « 3 » إلى الفعل أهو مجاز أو هو هدى حقيقة ففيه توقف من العلماء العظماء واختار المحقق كونه حقيقة لأنه يكفي في تحقق حقيقته ثبوته في نفس الأمر ظهر أم لا ومن قال إنه مجاز ادعى أنه لا بد في تحققه من قيامه بهم بالفعل إذ لا يسمى العلم قبل وجوده في الذهن علما والهدى ليس كذلك فهو مجاز قيل وهو الظاهر فإنكاره قدس سره التجوز فيه وادعاء أن كلام الكشاف يأباه لا يسلم انتهى وعدهم إفاضة القوى من الهداية يرجح ما ذهب إليه المحقق . قوله : ( أو اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى ) هذا الجواب بناء على المعنى المجازي الثاني فعلى هذا الاشتراء ليس على اعتبار الاستبدال حتى يحتاج إلى مؤنة ذكرت في الوجه الأول بل بمعنى الاختيار والترجيح على غيره كأنهم لا ح لهم طريقان ليسا في أيديهم فاختاروا أحد الطريقين وهو الضلال على الآخر وهو الهدى والجواب الأول مبني على المعنى المجازي الأول وهو الإعراض عما بيده الخ ولهذا احتاج المصنف إلى دفع شبهة وهي أنهم كيف استبدلوا الضلالة بالهدى ولم يكونوا على الهدى وحاصل الدفع أنهم على الهدى لا بمعنى الاهتداء إلى المطلوب بل على الهدى بمعنى الفطرة وهي كانت حاصلة لهم وإطلاق الهدى عليه حقيقة لا سيما عند المص فإنه جعلها في سورة الفاتحة من أول مراتب الهداية كما بيناه سابقا وبهذا البيان ظهر امتناع حمله على المعنيين معا ولهذا أورد كلمة أو هنا والعجب أن بعض المحشيين ذهب إلى أن المصنف جعل الوجهين وجها واحد ثم شنع على من جعل قوله واختاروا الضلالة الخ جوابا آخر وقال ثم إنه كان الظاهر على هذا أو بدل الواو وكأنه وقع في نسخته كذلك كما وجدناه انتهى والنسخ التي عندنا أو ولو كان واوا لوجب حمله على معنى أو كما حملوه عليه في بعض المواضع والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء يقال ضل منزله فاستعير للذهاب عن الصواب

--> ( 1 ) إذ تمكن الهدى سبب الهدى . ( 2 ) قال المحقق في شرح التلخيص المجاز العقلي أعم من أن يكون في النسبة الإسنادية أو غيرها فكما أن إسناد الفعل غير ما حقه أن يسند إليه مجاز فكذا ايقاعه إلى غير ما حقه أن يوقع عليه مجاز . ( 3 ) قوله : ( لا الخارج إلى الفعل ) الخ فيه إشارة إلى الفرق بين هذا الوجه وبين الوجه المتقدم من التمكن أشار إليه المحقق بقوله ثبوته في نفس الأمر وأما التمكن فقائم بالمتمكن بالفعل كما نبه عليه بقوله إنه لا يوفى تحققه من قيامه بهم بالفعل تدبر .